أبي حيان الأندلسي
430
البحر المحيط في التفسير
وأما قيامها بمعرفة اللّه وتوحيده وحكمته فنعم ، لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زمان . انتهى . والذي ذهب إليه غير ما ذهب إليه المفسرون ، وذلك أنهم فهموا من قوله : ما أَتاهُمْ ، و ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ، أن ما نافية ، وعندي أن ما موصولة ، والمعنى : لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم . مِنْ نَذِيرٍ : متعلق بأتاهم ، أي أتاهم على لسان نذير من قبلك . وكذلك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ « 1 » : أي العقاب الذي أنذره آباؤهم ، فما مفعولة في الموضعين ، وأنذر يتعدى إلى اثنين . قال تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً « 2 » ، وهذا القول جار على ظواهر القرآن . قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ « 3 » ، و أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ « 4 » ، وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 5 » ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا « 6 » . ولما حكى تعالى عنهم أنهم يقولون : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم افتراه ورد عليهم ، اقتصر في ذكر ما جاء به القرآن على الإنذار ، وإن كان قد جاء له وللتبشير ليكون ذلك ردعا لهم ، ولأنه إذا ذكر الإنذار ، صار عند العاقل فكر فيما أنذر به ، فلعل ذلك الفكر يكون سببا لهدايته . و لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ : ترجية من رسول اللّه ، كما كان في قوله : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 7 » ، من موسى وهارون . قال الزمخشري : وأن يستعار لفظ الترجي للإرادة . انتهى . يعني أنه عبر عن الإرادة بلفظ الترجي ، ومعناه : إرادة اهتدائهم ، وهذه نزغة اعتزالية ، لأنه عندهم أن يريد هداية العبد ، فلا يقع ما يريد ، ويقع ما يريد العبد ، تعالى اللّه عن ذلك . ولما بين تعالى أمر الرسالة ، ذكر ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل بذكر مبدأ العالم . وتقدم الكلام على فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ في الأعراف . ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ : أي إذا جاوزتموه إلى سواه فاتخذتموه ناصرا وشفيعا . أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ موجد هذا العالم ، فتعبدوه وترفضوا ما سواه ؟ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، الأمر : واحد الأمور . قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وعكرمة ، والضحاك : ينفذ اللّه قضاءه بجميع ما يشاؤه . ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ : أي يصعد ، خبر ذلك
--> ( 1 ) سورة يس : 36 / 6 . ( 2 ) سورة فصلت : 41 / 13 . ( 3 ) سورة فاطر : 35 / 24 . ( 4 ) سورة المائدة : 5 / 19 . ( 5 ) سورة الإسراء : 17 / 15 . ( 6 ) سورة القصص : 28 / 59 . ( 7 ) سورة طه : 20 / 44 .